أبو علي سينا
173
أحوال النفس ( رسالة في النفس وبقائهما ومعادها ) ( و يليها ثلاث رسائل في النفس )
إنما تحصل الصورة فيها عند اجتماعها فهي أشياء خالية عن صورة ما يحصل فيها عند التركيب فهذه صفة أجزاء القابل ، فإذن لم تقع القسمة في الصورة الكلية بل في قوابلها ؛ وقد قيل إنه وقع فيه ، وهذا خلف . فإذن قولنا لا يجوز أن تكون أجزاؤها مباينة لها في جميع المعنى قول صادق . ومنها ، وهي نتيجة المقدمتين ، أن الصورة الكلية إذا أمكن أن يعتبر فيها الانقسام ، فإن أجزاءها لا خالية عن كمال الصورة ، ولا مستوفية لها استيفاء تاما ، وكأنها أجزاء حده ورسمه . فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول : لا محالة أن الصورة المعقولة ، وبالجملة العلم ، تقتضى محلا من ذات الإنسان جوهري الذات محله ، فلا يخلو أن يكون هذا الجوهر جسما منقسما أو جوهرا غير جسم ولا منقسم . وأقول ولا يجوز أن يكون جسما ؛ وذلك أن الصورة المعقولة الكلية إذا حلت جسما فلا محالة أنه يمكن أن يعرض فيها الانقسام ، على ما أوضحناه أولا . ولا يجوز أن تكون أجزاؤها إلا متشابهة للكل من وجه ، مباينة من وجه ؛ وبالجملة في كل واحد منها بعض معنى الكل . والصورة الكلية ليس شيء منها يتركب منه وله بعض معناها إلا الأجناس والفصول ، فإذن هذه الأجزاء أجناس وفصول ، فكل واحد منها صورة كلية ، والقول فيها كالقول الأول . ولا محالة إما سينتهى إلى صورة أولى لا تنقسم إلى أجناس وفصول لامتناع التمادي إلى ما لا يتناهى في أجزاء مختلفة المعاني إذا تقرر أن الأجسام تتجزأ إلى ما لا يتناهى . ومعلوم أنه إن كانت الصورة الكلية لا تنقسم إلا إلى أجناس وفصول ، وإن كان منها ما لا تنقسم إلى أجناس وفصول ، فليس تنقسم بوجه من الوجوه في ذاته ، إذن ولا المركب منهما ، إذ من المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يتصور إلا مع تصور الحي الناطق . وبالجملة لا يمكن أن تتصور الصورة الكلية التي لها جنس وفصل إلا بتصورها جميعا . فإذن الصورة التي وصفناها أنها حلت في الجسم لم تحل فيه وهذا خلف ؛